رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

323

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

الخصم إمّا عجزاً أو كفّاً عن المِراء ، عرض للرجل شكّ في أنّه لعلّ ما فعل كان صواباً ولأجل ذلك سكت الخصم ، ومن الارتياب أنّ الرجل منَّ اللَّه عليه بوساطة حججه عليهم السلام في الكتاب والسنّة ، وهو يتعمّق فيما لم يكلّف البحث عن كنهه ، فيقع في الشكوك والشبهات التي لا يستطيع أن يخرج منها . وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة الأشباح حيث قال : « فانظُرْ أيُّها السائلُ فما دَلَّكَ عليه القرآنُ من صفته فَأْتَمَّ به ، واستَضِئْ بنور هدايته ، وما كَلَّفَكَ الشيطانُ عِلْمَه ممّا ليس في الكتاب عليك فَرْضُه ، ولا في سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وأئمّة الهدى أثَرُهُ ، فكِلْ عِلْمَه إلى اللَّه سبحانه ؛ فإنّ ذلك منتهى حقِّ اللَّه عليك . واعلَمْ أنّ الراسخينَ في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السُّدَدِ المضروبةِ دونَ الغيوبِ الإقرارُ بجملة ما جهلوا تفسيرَه من الغيب المحجوب ، فمَدَحَ اللَّهُ تعالى اعترافَهم بالعجزِ عن تناولِ ما لم يُحيطوا به عِلْماً ، وسَمّى تَرْكَهم التعمّقَ فيما لم يكلّف « 1 » البحثَ عن كنهه رسوخاً ، فَاقْتَصِرْ على ذلك ، ولا تُقَدِّرْ عظمةَ اللَّه على قَدْرِ عقلك فتكونَ من الهالكين » . « 2 » قوله : ( إيّاكُمْ والتَّفَكُّرَ ) . [ ح 7 / 257 ] في أنّه سيجيء في كتاب الإيمان والكفر ، في باب التفكّر عن أبي عبداللَّه عليه السلام : « أفضل العبادة إدمان التفكّر في اللَّه وفي قدرته » . « 3 » وطريق التوفيق واضح . قوله : ( والكيفُ مخلوقٌ ، واللَّهُ لا يوصَفُ بخَلْقِه ) . [ ح 9 / 259 ] وجهه ظاهر ؛ لأنّ المخلوق طبيعة مفتقرة الذات ، فلا يتّصف بها الغنيّ بالذات ، وعلى هذا الأصل الأصيل بُنيت التقديسات في الخطب الجليلة الواردة عنهم عليهم السلام في التوحيد ، كقولهم : « بتَجْهيرِه الجواهرَ عرفت أن لا جوهرَ له » « 4 » وأمثال ذلك .

--> ( 1 ) . في المصدر : « لم يُكَلِّفْهُمُ » . ( 2 ) . نهج البلاغة ، ص 125 ، الخطبة 91 . ( 3 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 55 ، باب التفكّر ، ح 3 . ( 4 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 138 ، باب جوامع التوحيد ، ح 4 ؛ التوحيد ، ص 34 ، ح 2 ؛ وص 308 ، ح 2 ؛ عيون أخبارالرضا ، ج 1 ، ص 149 ، ح 51 ؛ الاحتجاج ، ج 2 ، ص 400 . وفي جميع المصادر : « عُرِفَ » بدل « عرفت » .